المقالاتشريعه وفقه

رمضان زمان.. حين كان الشهر حياةً كاملة كيف كان رمضان زمانًا؟

✍️بقلم – أسماء صبري :

يعود اسم رمضان إلى ما قبل الإسلام، وقد اشتُق من «رمَض» الدال على شدة الحر أو الظمأ. وتعددت تفسيرات التسمية بين ارتباطه بحرّ الجوع والعطش، أو بحرق الذنوب بالأعمال الصالحة، أو بحرارة الموعظة وخشوع القلوب. ورغم كونه شهرًا قمريًا يتنقل بين الفصول، فقد استقر في الوجدان الإسلامي رمزًا للصيام والطهر والتزكية، وعُرف بأسماء تعبّر عن مكانته الروحية، مثل شهر الصبر والرحمة والعتق من النار والقرآن والغفران، وكان يُلقّب قديمًا بـ ربيع الفقراء.

عادات وتقاليد المجتمع الإسلامي في الشهر الكريم:

كان استقبال رمضان قديمًا طقسًا مهيبًا يبدأ من ليلة رؤية الهلال، حيث يجتمع الأطفال والكبار في الساحات وعلى الأسطح انتظارًا لإعلان دخول الشهر. وما إن يثبت الهلال حتى تعم الفرحة الشوارع، وتُضاء البيوت بالفوانيس، وتُزيَّن الأزقة بالأوراق الملوّنة، ويملأ الأطفال الطرقات بفوانيسهم مرددين الأغاني الشعبية، وعلى رأسها: «حلّو يا حلّو»، لتستمر هذه الأجواء المبهجة طوال الشهر المبارك.

الترابط الأسري وتجمعات الأهل والأقارب:

ظل رمضان مناسبة سنوية لاجتماع العائلة ولمّ الشمل. وكان صوت مدفع الإفطار لحظة انتظار يومية، ارتبط دويه في وجدان المصريين بالدفء الأسري والحنين، مهما ابتعدت المسافات. ومع اقتراب المغرب، تنشط الأسواق استعدادًا للإفطار، ويبرز صحن الفول المدمس كطبق لا تغيب عنه المائدة الرمضانية، فيما يصدح باعة الفول بندائهم الشعبي الذي أصبح جزءًا من ذاكرة الشهر.

وتتنوع موائد الإفطار، بدءًا بالتمر والحليب وقمر الدين والخروب و«الخشاف»، مرورًا بالعصائر الطازجة، ثم الأطباق الرئيسية من شوربة وملوخية وخضار ومكرونة بالبشاميل ومحشي ومشويات، وتتزين الموائد بالسلطات. وكانت العزومات المتبادلة بين الجيران والأقارب سمة أصيلة، تتنافس فيها النساء بمحبة، لا بتفاخر.

ولا يكتمل الإفطار دون الحلويات الرمضانية الشهيرة، مثل الكنافة والقطايف والبقلاوة، وأم علي والمهلّبية وبلح الشام والجلاش، لتبقى هذه الأصناف جزءًا من هوية الشهر.

رمضان.. ربيع الفقراء

استحق رمضان قديمًا أن يُسمّى ربيع الفقراء، إذ كانت موائد الرحمن تنتشر في الشوارع والساحات، ويحرص الميسورون على إخراج الزكاة والصدقات سرًّا وعلانية. وكانت البيوت لا تُغلق أبوابها في وجه محتاج، والجيران يتقاسمون الطعام دون حرج. في هذا الشهر، كان الفقير يشعر بأنه شريك في الفرح، لا ضيفًا عابرًا، وتتحول الرحمة من قيمة معنوية إلى سلوك يومي يعيشه الجميع.

الشعائر الدينية للشهر الكريم:

من أبرز ملامح رمضان في مصر امتلاء المساجد بالمصلين، حيث تتضاعف أعدادهم في صلاة التراويح، خاصة في العشر الأواخر وليلة القدر. وكثيرًا ما اعتاد الأئمة في أول جمعة من رمضان تذكير الناس بأن «رب رمضان هو رب كل العام»، في رسالة صادقة تعكس روح الشهر ومعناه الحقيقي.

ختامًا:

كان رمضان زمانًا شهرًا تُعاش تفاصيله بكل الحواس: عبادةً، ودفئًا اجتماعيًا، وتكافلًا إنسانيًا. لم يكن مجرد صيام عن الطعام، بل صيامًا عن القسوة، وعودة صادقة إلى القيم التي جعلت منه شهرًا مختلفًا… شهرًا للحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى