المقالات
رئيس مجلس الإدارة يكتب.. العالم يودّع عام 2025 ويستقبل عامًا جديدًا


بقلم مصطفى عتمان 
مع انقضاء الأيام الأخيرة من عام 2025، يقف العالم على أعتاب عام جديد مثقل بالتجارب، ومشحون بالتحديات، لكنه في الوقت ذاته حافل بفرص التقدم والتحول. فقد كان هذا العام محطة فارقة في مسار البشرية، شهد تسارعًا غير مسبوق في التكنولوجيا، وتحولات عميقة في موازين السياسة والاقتصاد، وصراعات دامية، إلى جانب محاولات جادة لصياغة مستقبل أكثر استقرارًا.
سياسيًا، استمر العالم في مواجهة أزمات معقدة ونزاعات إقليمية مفتوحة، أعادت إلى الواجهة مشاهد الاستقطاب الدولي وصراع المصالح بين القوى الكبرى. ورغم تصاعد لغة القوة، برزت محاولات دبلوماسية لاحتواء الانفجارات السياسية والعسكرية، في إدراك متزايد بأن كلفة الصدام باتت تفوق قدرة العالم على الاحتمال.
وفي قلب هذه المشاهد، برزت الحرب على غزة كواحدة من أكثر القضايا إيلامًا وتأثيرًا في الضمير الإنساني خلال عام 2025. فقد استمرت المأساة الإنسانية في القطاع، وسط دمار واسع، وسقوط آلاف الضحايا من المدنيين، أغلبهم من النساء والأطفال، في ظل عجز المجتمع الدولي عن فرض حل عادل أو وقف دائم لإطلاق النار. وأعادت هذه الحرب طرح أسئلة جوهرية حول العدالة الدولية، وازدواجية المعايير، وحدود القانون الدولي الإنساني، لتظل غزة جرحًا مفتوحًا في وجدان العالم مع استقبال عام جديد.
اقتصاديًا، واصل العالم دفع ثمن الأزمات المتراكمة، من ارتفاع معدلات التضخم، واضطراب أسعار الطاقة والغذاء، إلى هشاشة سلاسل الإمداد العالمية. وفي المقابل، بدأت بعض الدول في إعادة صياغة سياساتها الاقتصادية، عبر تنويع الشراكات، وتوطين الصناعات الاستراتيجية، والبحث عن نماذج أكثر استقلالًا ومرونة في مواجهة الصدمات العالمية.
أما على صعيد التكنولوجيا، فقد كان 2025 عامًا استثنائيًا بامتياز. إذ واصل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية التغلغل في مختلف جوانب الحياة، من التعليم والطب إلى الصناعة والإعلام، محققًا قفزات هائلة في الكفاءة والإنتاج. غير أن هذا التقدم السريع صاحَبَه قلق عالمي متزايد من مخاطره، سواء ما يتعلق بفقدان الوظائف، أو تهديد الخصوصية، أو استخدام التكنولوجيا في الحروب والمعلومات المضللة، ما دفع دولًا عدة إلى البحث عن أطر تشريعية وأخلاقية تضبط هذا المسار.
وعلى مستوى الطبيعة، كان عام 2025 قاسيًا بإنذاراته. فقد شهد العالم زلازل مدمّرة، وثوران براكين، وفيضانات وسيول، وحرائق غابات غير مسبوقة في قارات عدة، حصدت أرواح الآلاف وشرّدت ملايين البشر. وأكدت هذه الكوارث أن التغير المناخي لم يعد خطرًا مؤجلًا، بل واقعًا يفرض نفسه بقوة، وأن العلاقة بين الإنسان والبيئة وصلت إلى مرحلة حرجة تتطلب تحركًا عالميًا عاجلًا، يتجاوز الوعود إلى التنفيذ الفعلي.
اجتماعيًا، تعمّقت الفجوة بين الأغنياء والفقراء في كثير من المجتمعات، وتزايدت موجات الهجرة والنزوح نتيجة الحروب والكوارث الطبيعية، في مقابل تصاعد مطالب الشعوب بالعدالة الاجتماعية والحق في الحياة الكريمة. وأعادت الأزمات المتلاحقة تعريف مفهوم الأمن الإنساني، ليشمل الغذاء والصحة والمناخ، لا مجرد غياب الصراع المسلح.
ومع استقبال عام جديد، يدخل العالم مرحلة دقيقة تتطلب قدرًا أعلى من الحكمة والتعاون الدولي. فالتقدم العلمي يحمل فرصًا هائلة للبناء، لكنه قد يتحول إلى أداة خطر إذا غابت المسؤولية. والصراعات يمكن احتواؤها إذا انتصرت لغة الحوار، بينما يبقى التغير المناخي تحديًا مشتركًا لا يعترف بالحدود أو المصالح الضيقة.
هكذا يودّع العالم عام 2025 بتجارب ثقيلة، ويستقبل عامًا جديدًا بأسئلة مفتوحة وطموحات مشروعة. ويبقى الأمل معقودًا على أن يكون العام المقبل خطوة حقيقية نحو عالم أكثر عدلًا، وأكثر وعيًا، وأكثر إنسانية.




