شريعه وفقه

خلق التغافل: كيف نتجاوز زلات الآخرين في نهار رمضان؟

 

كتب / شعبان الأزهري 

 

في نهارات رمضان، حيث تجتمع ضغوط الجوع والعطش مع أعباء الحياة اليومية، تصبح النفوس أكثر حساسية، وتضيق مساحات الصبر، مما قد يؤدي إلى صدامات ومشاحنات تخدش جمال الصيام. هنا تبرز الحاجة إلى خُلق هو من شيم الكبار، ومن أرقى مقامات التربية النفسية، وهو “التغافل”. التغافل ليس غباءً ولا ضعفاً، بل هو “ترفعٌ واعي” عن الصغائر من أجل الحفاظ على سلامة القلب وصفاء العبادة.

 

1. فلسفة التغافل: تسعة أعشار العقل

 

يُنسب للإمام أحمد بن حنبل قوله: “تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل”. والتغافل في جوهره هو أن تدرك زلة الآخر، وترى خطأه، ولكنك تختار بمحض إرادتك أن “تمررها” وكأنك لم ترها.

* الفرق بين الغفلة والتغافل: الغافل هو من يُخدع لجهله، أما المتغافل فهو “سيد” يرى الخطأ ويغض الطرف عنه تكرماً، لكيلا يقطع حبل الود أو يفسد لحظة السكينة.

 

2. لماذا نحتاج التغافل خصيصاً في رمضان؟

 

نهار رمضان هو “مضمار سباق” نحو التقوى، والاشتباك مع زلات الآخرين (كلمة جارحة، تقصير في عمل، حدة في التعامل) هو بمثابة “عثرات” تعيق هذا السباق.

* حماية الصيام: الصيام ليس مجرد كفّ عن الطعام، بل هو صون لجوهر الروح. المشاحنات تستنزف الطاقة الروحية وتجعل الصائم يشعر بالضيق، بينما التغافل يحفظ له “هدوءه الداخلي”.

* مراعاة أحوال الناس: الصائم قد يغلبه التعب أو ضيق الخلق بسبب نقص السكر أو الجفاف، وتغافلك عن فظاظة عابرة هو صدقة منك على “ضعفه البشري”.

 

3. فنون التغافل في التعامل اليومي

 

التغافل مهارة يمكن التدرب عليها عبر خطوات عملية:

* قاعدة الـ 10 ثوانٍ: قبل أن ترد على زلة أو كلمة نابية، انتظر عشر ثوانٍ. اسأل نفسك: “هل يستحق هذا الموقف أن أفسد أجواء صيامي من أجله؟”.

* إحسان الظن: التمس لأخيك عذراً؛ قل لعله متعب، لعله لم يقصد، لعله يمر بظرف قاهر. إحسان الظن هو الوقود الذي يغذي محرك التغافل.

* الترفع عن الانتصار للذات: النفس تهوى أن تنتصر وتُحرج الآخر ببيان خطئه، والتغافل هو قمع لهذه الرغبة من أجل مرضاة الله.

 

4. التغافل في محيط الأسرة

 

تكثر الاحتكاكات داخل البيت في ساعات ما قبل الإفطار. التغافل هنا هو “ملح” الحياة الزوجية والأسرية:

* تغافل الزوج عن تقصير بسيط في إعداد الطعام أو ترتيب البيت.

* تغافل الزوجة عن حدة عابرة في مزاج الزوج بسبب تعب العمل والصيام.

هذا التغافل المتبادل يبني بيتاً هادئاً، ويجعل من مائدة الإفطار مائدة للحب لا ساحة لتصفية الحسابات.

 

5. الثمرة: سلامة الصدر وجنة الدنيا

 

إن أعظم ثمار التغافل هي “سلامة الصدر”. الشخص المتغافل يعيش في جنة معجلة؛ لأنه لا يحمل في قلبه ثقلاً من الحقد أو تتبع العثرات. وفي رمضان، نحن أحوج ما نكون لقلب سليم يستحق أن تتنزل عليه رحمات الله.

 

التغافل هو زكاة الوعي، وضريبة الرفعة. في هذا الرمضان، اجعل شعارك: “رأيتُ فتناسيت، وسمعتُ فتغافلت”. لستَ ملزماً بإصلاح كل الناس، لكنك ملزم بإصلاح قلبك وحماية صيامك. فكن كبيراً بتغافلك، تكن عظيماً عند خالقك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى