فقه القلوب: أسرار القلوب ورحلتها إلى الله

كتب / شعبان الأزهري
في صخب الحياة اليومية وتزاحم التكاليف الظاهرة من صلاة وصيام وزكاة، يغفل الكثيرون عن المحرك الأساسي لهذه الجوارح: “القلب”؛ إن الشريعة الإسلامية لم تأتِ فقط لتنظيم الجوارح والظواهر، بل جاءت أولاً لتأسيس “فقه القلوب”، وهو الفقه الأعمق الذي يعنى بأحوال هذا العضو الباطن، ومقاماته، وأمراضه، وطرق مداواته حتى يبلغ سيده وهو سليم.
مفهوم فقه القلوب وأهميته
فقه القلوب هو العلم بأحوال القلب من حيث ما يعتريه من إيمان وكفر، وإخلاص ورياء، وصبر وجزع، ومحبة وبغض، وإذا كان فقه الجوارح يبحث في صحة العمل وفساده ظاهراً، فإن فقه القلوب يبحث في قبوله ورده باطناً؛ فالقلب هو ملك الجوارح، وسيد الأعضاء؛ إن صلح صلح الجسد كله، وإن فسد فسد الجسد كله.
تكمن أهمية هذا الفقه في أن الله عز وجل لا ينظر إلى صورنا وأجسادنا، بل ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا ، فالأعمال الظاهرة تصح أو تتفاضل بحسب ما يستقر في القلوب من الإيمان واليقين والتجرد.
أسرار القلوب وتقلباتها
سمي القلب قلباً لكثرة تقلبات الأحوال عليه؛ فهو أشبه بريشة في أرض فلاة تقلبها الرياح كيف تشاء، ومن أسرار القلوب التي كشف عنها الشرع والنظر الإيماني:
سر الإخلاص: هو التجرد التام لله، بحيث لا يطلب العبد بعمله ثناءً ولا يهرب من ذم، وهو أشد ما يعالجه السالك في طريقه.
سر المحبة والشوق: المحبة هي الحادي الذي يسوق القلب إلى طاعة مولاه برغبة ولذة، فتتحول التكاليف من عبء إلى نعيـم.
سر السكينة والاطمئنان: حالة من الثبات ينزلها الله على قلب عبده عند ورود المخاوف والشبهات، فلا يضطرب ولا يتزلزل.
مقامات القلوب وأمراضها
تمر القلوب بأحوال ومقامات ترتقي فيها أو تنتكس، وقد قسم العلماء القلوب إلى ثلاثة أنواع رئيسية:
القلب الحي (السلِيم): وهو القلب المخلص، الخالي من الشرك والغل والحسد والشهوات المحرمة، الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به.
القلب الميت: وهو القلب الذي لا يعرف ربه، ولا يعبده بأمره، بل هو واقف مع شهواته ولذاته ولو كان فيها سخط مولاه.
القلب المريض: وهو قلب فيه حياة وفيه علة؛ تمده المادة الإيمانية تارة، وتمده المادة الشهوانية تارة أخرى، وهو للمادة التي تغلب عليه منهما.
ومن أبرز أمراض القلوب:
الرياء، الكبر، العجب، الحسد، والقسوة، وهذه الأمراض إن لم تتدارك بالطب الإيماني أدت إلى رين القلب وطبعه.
وسائل تزكية القلب ومداواته
إن مداواة القلب تتطلب جهداً متواصلاً وعملاً خفياً لا يعلمه إلا الله، ومن أهم وسائل التزكية:
دوام الذكر: فالذكر هو جلاء القلوب وصقلها من رين المخالفات والمعاصي والشهوات.
تدبر القرآن: فالقرآن هو الشفاء التام لأمراض الصدور.
الاستغفار والتوبة: التوبة تجدد الإيمان وتغسل ما علق بالقلب من نكات سوداء.
الخبيئة الصالحة: عمل الطاعات في الخفاء بين العبد وربه يستأصل شأفة الرياء ويثبت الإخلاص.
إن رحلة العبد إلى الله هي رحلة قلبية بالدرجة الأولى؛ فمن أصلح قلبه أصلح الله له ظاهره وباطنه، وكانت جوارحه تبعاً لمرضاة ربه.



