مشاهد «قنديل البحر» في سماء فلوريدا.. حقيقة إطلاقات سبيس إكس ومخاوف علمية بشأن تلوث الغلاف الجوي


تقرير خاص | اليوم التاسع
أثارت مشاهد ضوئية لافتة ظهرت في سماء ولاية فلوريدا الأمريكية، عقب إطلاق صاروخ من طراز «فالكون 9» التابع لشركة «سبيس إكس»، تفاعلًا واسعًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما بدت سحابة العادم في صورة تشبه قنديل البحر، ما دفع البعض إلى الاعتقاد بأن الصور مولدة بالذكاء الاصطناعي، بينما ربط آخرون الظاهرة بمخاوف من تلوث الغلاف الجوي وتأثير انبعاثات الصواريخ على المناخ.
لكن ما حقيقة هذه المشاهد؟ وهل تمثل دليلًا على أزمة بيئية متصاعدة؟
إطلاق حقيقي ومهمة فضائية موثقة:
شهد يوم 13 أكتوبر 2026 إطلاق صاروخ «فالكون 9» من ولاية فلوريدا، ضمن مهمة «ناسا CRS-35» لنقل إمدادات ومعدات وتجارب علمية إلى محطة الفضاء الدولية، بما في ذلك تجهيزات مرتبطة بتطوير أنظمة الطاقة الشمسية بالمحطة.
وبذلك، فإن المشاهد المتداولة ترتبط بإطلاق فضائي حقيقي، وليست مجرد صور خيالية أو مشاهد مصنوعة بالذكاء الاصطناعي. كما أن هذه المهمة كانت مخصصة لإمداد محطة الفضاء الدولية، وليست لإطلاق أقمار «ستارلينك»، خلافًا لما قد يختلط على بعض المتابعين.
لماذا يظهر الصاروخ وكأنه قنديل بحر في السماء؟
تُعرف هذه الظاهرة بصريًا باسم «قنديل البحر الفضائي»، وتحدث عندما يصعد الصاروخ إلى ارتفاعات شاهقة بينما تظل الشمس قادرة على إضاءة سحابة العادم من أسفل الأفق، في حين تكون المناطق الواقعة على الأرض في ظلام أو شبه ظلام.
وينتج عن ذلك مشهد مضيء واسع، تتفرع فيه الغازات وبخار الماء والجسيمات الناتجة عن الاحتراق، فتبدو السحابة كأنها جسم مضيء له رأس وامتدادات طويلة تشبه مجسات قنديل البحر.
وسُجلت مشاهد مماثلة في إطلاقات فضائية سابقة، ما يؤكد أن الظاهرة معروفة علميًا، ولا تعني في حد ذاتها وقوع انفجار أو تسرب غير معتاد أو كارثة بيئية.
هل تلوث انبعاثات الصواريخ الغلاف الجوي؟
الإجابة العلمية تحتاج إلى التمييز بين حقيقة الانبعاثات وحجم تأثيرها البيئي.
تنتج محركات الصواريخ مواد تختلف باختلاف نوع الوقود المستخدم وطبيعة المحرك، وقد تشمل بخار الماء وثاني أكسيد الكربون وجسيمات الكربون الأسود، إلى جانب مركبات أخرى بحسب نظام الدفع.
وتكتسب هذه الانبعاثات أهمية علمية خاصة عندما تصل إلى طبقات الجو العليا، ومنها طبقة الستراتوسفير، حيث تختلف ظروف انتشار الجسيمات وتفاعلاتها عن تلك الموجودة قرب سطح الأرض.
وتشير دراسات علمية إلى أن الكربون الأسود المنبعث من بعض أنواع الصواريخ قد يمتص الإشعاع الشمسي ويسهم في تسخين الهواء، كما يمكن أن يؤثر في العمليات الكيميائية المرتبطة بطبقة الأوزون. غير أن تقدير حجم هذه التأثيرات يعتمد على نماذج علمية وافتراضات تتعلق بمعدلات الإطلاق، وتركيب الانبعاثات، والارتفاع الذي تصل إليه، ومدة بقائها في الغلاف الجوي.
هل تبقى انبعاثات الصواريخ لسنوات؟
تحتاج هذه النقطة إلى توضيح مهم؛ فليس صحيحًا تعميم القول إن جميع انبعاثات الصواريخ تظل في الغلاف الجوي لسنوات، أو أن كل ما ينتج عن إطلاق واحد يتحول تلقائيًا إلى تلوث دائم.
فمدة بقاء المواد المنبعثة ومصيرها يختلفان بحسب طبيعتها الكيميائية وحجم الجسيمات والارتفاع الذي وصلت إليه والظروف الجوية. وقد تبقى بعض الجسيمات الدقيقة في طبقات الجو العليا فترات طويلة نسبيًا، وهو ما يجعلها محل اهتمام الباحثين، لكن ذلك لا يعني أن جميع مكونات العادم تتصرف بالطريقة نفسها.
وتحذر أبحاث من أن زيادة وتيرة الإطلاقات الفضائية مستقبلًا قد ترفع أهمية هذه الانبعاثات، خاصة إذا لم تتطور بالتوازي معها أنظمة الرصد وقياس الأثر البيئي.
ماذا تقول الدراسات عن الأوزون والمناخ؟
تناولت أبحاث منشورة خلال السنوات الأخيرة الآثار المحتملة لانبعاثات الصواريخ وعودة المركبات الفضائية إلى الغلاف الجوي، مع التركيز على الكربون الأسود وبعض المركبات التي قد تؤثر في كيمياء الأوزون.
وتشير النماذج العلمية إلى أن التأثير العالمي الحالي في طبقة الأوزون قد يكون محدودًا مقارنة بمصادر التلوث الأخرى، لكنه قد يتزايد مع ارتفاع عدد عمليات الإطلاق وتغير أنواع الوقود والتقنيات المستخدمة.
ومع ذلك، لا تزال هناك فجوات في البيانات المتعلقة بحجم الانبعاثات الفعلية لبعض أنواع الصواريخ، وكيفية توزيعها في طبقات الجو، والآثار طويلة الأجل الناتجة عنها. ولهذا، فإن الحديث عن مخاطر محتملة لا ينبغي أن يتحول إلى إعلان عن أزمة مؤكدة دون قياسات وأدلة كافية.
هل يمكن مقارنة تلوث الصواريخ بتلوث المصانع والسيارات؟
لا تصح المقارنة المباشرة دون مراعاة اختلاف طبيعة الانبعاثات ومكان إطلاقها. فالسيارات والمصانع تؤثر في جودة الهواء قرب سطح الأرض، بينما قد تصل بعض انبعاثات الصواريخ إلى ارتفاعات أكبر، حيث تختلف آليات الانتشار والتفاعلات الكيميائية ومدة البقاء.
ولا يعني ذلك أن انبعاثات الصواريخ أخطر بالضرورة من جميع مصادر التلوث الأخرى، كما لا يعني أن محدودية عدد الإطلاقات مقارنة بحركة النقل والصناعة تجعل أثرها مستحيلًا. فالتقييم الدقيق يحتاج إلى دراسة نوع المادة المنبعثة وكميتها ومكان وصولها، إلى جانب إجمالي النشاط الفضائي على مدى زمني طويل.
كذلك، لا يمكن اعتبار الأمطار حلًا شاملًا لكل أشكال التلوث؛ إذ تختلف قدرة العمليات الطبيعية على إزالة الملوثات باختلاف نوعها وموقعها في الغلاف الجوي.
ما المطلوب في المرحلة المقبلة؟
مع التوسع في الرحلات الفضائية التجارية وإطلاق الأقمار الصناعية، تزداد أهمية تطوير قواعد بيانات دقيقة لانبعاثات الصواريخ، وإجراء قياسات مباشرة للجسيمات والغازات في طبقات الجو العليا، وتحسين النماذج التي تقيس تأثيرها في المناخ وطبقة الأوزون.
كما تبرز الحاجة إلى شفافية أكبر في نشر البيانات البيئية المرتبطة بالإطلاقات، وتطوير تقنيات دفع ووقود تقلل الانبعاثات الضارة قدر الإمكان، مع عدم تعطيل التقدم العلمي والفضائي، بل ضمان استمراره وفق معايير بيئية مدروسة.
مشاهد «قنديل البحر» في سماء فلوريدا ظاهرة بصرية حقيقية مرتبطة بإطلاق صاروخ «فالكون 9»، وليست دليلًا بذاتها على كارثة بيئية أو تلوث غير مسبوق.
وفي المقابل، فإن التأثيرات المحتملة لانبعاثات الصواريخ على طبقات الجو العليا والأوزون والمناخ موضوع علمي جاد يستحق البحث والرصد المستمر، خصوصًا مع التوسع في النشاط الفضائي.
والفارق الأساسي هنا هو التمييز بين ما ثبت حدوثه، وما تشير إليه النماذج العلمية بوصفه احتمالًا يحتاج إلى مزيد من القياس والتحقق؛ فلا تهويل بلا دليل، ولا تجاهل لمخاطر بيئية محتملة.




