عيد الحب في زمن الكراهية.. عذرًا يا عيد الحب فأطفال غزة هم كل الحب
بقلم: مصطفى عتمان

جاء عيد الحب هذا العام مختلفًا… لم أشعر فيه بتلك البهجة المعتادة، ولم أجد في زحام الألوان والورود والقلوب الحمراء ما يكفي للاحتفال؛ وكأن الحب نفسه أصبح غريبًا عن عالم أنهكته الحروب، وأثقلته الكراهية، وأطفأت صراعاته كثيرًا من مصابيح الإنسانية.
عذرًا يا عيد الحب… كيف نحتفل بالحب، وهناك أطفال في غزة يبحثون عن الأمان بدلًا من الألعاب، وعن رغيف الخبز بدلًا من الهدايا، وعن حضن أم بدلًا من دفء العالم؟ كيف نتحدث عن الورود، وهناك من فقدوا بيوتهم وأحبابهم، ومن أصبح سقف السماء بالنسبة إليهم هو الملجأ الأخير؟
أطفال غزة هم كل الحب… هم المعنى الذي يعيد ترتيب أولويات الإنسانية، وهم السؤال الذي يجب أن يوقظ ضمائر العالم: ماذا تبقى من الحب إذا عجزنا عن حماية طفل؟ وأي عيد هذا الذي نحتفل فيه بمشاعرنا بينما هناك قلوب صغيرة لا تعرف من الحياة سوى الخوف والفقد والوجع؟
لقد غطت سماء العالم غيوم سوداء من الحروب والدمار، وأصبحت لغة القوة أعلى صوتًا من لغة الرحمة، وصار الخراب يزاحم الأمل في كل مكان. ومع ذلك، لا أريد أن أصدق أن الحب اندثر، أو أن الخير غادر قلوب البشر؛ ربما أصبح أقل ظهورًا وسط هذا الضجيج، لكنه لا يزال حيًا في نفوس من لم تفقدهم الحياة إنسانيتهم.
أما عن الحب الذي يسكن قلوبنا، فنسأل الله أن يبقيه حيًا، وأن يزيده نورًا وصدقًا، وألا يجعل للكره مكانًا في أرواحنا، ولا للغل طريقًا إلى قلوبنا.
ياااه… ما أجمل الحب!
لكننا ربما نحتاج اليوم إلى أن نفهمه من جديد، بعيدًا عن اختزاله في وردة حمراء، أو هدية، أو رسالة عاطفية، أو يوم واحد في العام. فالحب ليس مناسبة عابرة، ولا كلمة تقال في لحظة إعجاب، بل هو معنى كبير تتشكل منه الحياة، وتستقيم به العلاقات، وتصبح به الأيام أكثر احتمالًا وجمالًا.
وأول الحب وأعظمه وأجمله هو حب الله.
ذلك الحب الذي يولد منه الاطمئنان، وتنبع منه الرحمة، وتستمد منه الروح قدرتها على الصبر والتسامح والعطاء. حين يعرف الإنسان ربه حق المعرفة، يدرك أن الحب ليس امتلاكًا، ولا مصلحة، ولا انتظارًا لمقابل، بل قرب وصدق وإحسان، وأن أجمل ما يمكن أن يحمله القلب هو قلب لا يعرف القسوة، ولا يتمنى الأذى لأحد.
ومن هذا النور تبدأ حكايات الحب الأولى..
عرفت الحب أول مرة من يد أمي، من حنانها الذي لا يحتاج إلى تفسير، ومن دعائها الذي يسبق خطواتي، ومن خوفها عليّ حتى في غيابي. عرفته في وجه أبي، في صمته الذي كان يحمل ألف معنى، وفي تعبه الذي لم يكن ينتظر شكرًا، وفي يده التي كانت تمنح الأمان دون أن تتحدث عنه.
ثم كبر الحب معنا، وكبرت دوائره.
عرفناه في ضفائر طفلة صغيرة تعود إلى بيتها وهي تحمل سعادة الدنيا في عينيها، وفي ضحكة طفل ينتظر حضن أبيه، وفي اجتماع الأسرة حول مائدة واحدة، وفي سؤال صادق من أخ أو أخت، وفي اهتمام قريب لم ينسَ موعدًا، وفي صديق ظل حاضرًا حين غاب كثيرون.
هناك حب في الأبناء لا تشبهه مشاعر، وحب في الأصدقاء لا تصنعه المصالح، وحب في الأقارب والجيران يظهر في السؤال والاطمئنان والمواقف الصغيرة التي لا تُنسى.
وهناك حب للأشياء التي تشبه أرواحنا؛ لهواية نمارسها، وكتاب نقرأه، وموسيقى تمنحنا الهدوء، ومكان يحمل ذكرى، وصباح ننتظره، وقهوة نحب مذاقها، وعمل نشعر فيه أننا نترك أثرًا.
كل هذه التفاصيل الصغيرة تصنع في داخلنا عالمًا يستحق أن نعيش من أجله.
لكن وسط كل هذه المعاني، توقفت أمام سؤال لم أجد له إجابة سهلة: ماذا عن حبنا لأنفسنا؟
هل نحب أنفسنا حقًا، أم أننا اعتدنا أن نمنح الآخرين كل ما نملك من اهتمام، ثم نعود إلى أنفسنا وقد استنزفنا أرواحنا؟
كم مرة سامحنا الآخرين ولم نسامح أنفسنا؟ وكم مرة بحثنا عن رضا الجميع ونسينا أن نرضى عن الإنسان الذي نراه كل صباح في المرآة؟ وكم مرة تحملنا ما يفوق طاقتنا خوفًا من خسارة شخص، بينما كنا نخسر أنفسنا ببطء؟
حب النفس ليس غرورًا، ولا أنانية، ولا أن نضع أنفسنا فوق الآخرين؛ بل أن نعرف قيمتنا، ونحترم حدودنا، ونصون كرامتنا، ونعترف بتعبنا، ونمنح أرواحنا حقها في الراحة والفرح.
أن نتصالح مع أخطائنا دون أن نبررها، وأن نتعلم من تجاربنا دون أن نعاقب أنفسنا طوال العمر، وأن نعرف متى نعطي، ومتى نتوقف، ومتى نغادر مكانًا لم يعد يتسع لسلامنا.
فلا يمكن لقلب أنهكه إهمال صاحبه أن يمنح الحياة كل هذا الحب، ولا يمكن لإنسان لا يرحم نفسه أن يفهم الرحمة في أعمق معانيها.
الحب الحقيقي لا يقتصر على أن تجد شخصًا يحبك، بل أن تصبح أنت إنسانًا قادرًا على الحب، دون أن تفقد نفسك في الطريق.
وفي عيد الحب، لا أتمنى أن تمتلئ الدنيا بالورود فقط، بل أتمنى أن تمتلئ بالرحمة، وأن تتوقف الحروب، وأن يعود الأطفال إلى مدارسهم وبيوتهم، وأن تنام الأمهات دون خوف، وأن يجد كل إنسان قلبًا يأويه، ويدًا تمتد إليه، وكلمة طيبة تخفف عنه قسوة الأيام.
أتمنى أن نزرع الحب في الأرض فنحصد السلام، وأن نربي أبناءنا على الرحمة بدلًا من الكراهية، وعلى احترام الإنسان بدلًا من تصنيف البشر، وعلى أن الاختلاف لا يعني العداوة، وأن القوة الحقيقية ليست في القدرة على الإيذاء، بل في القدرة على العفو وحماية الضعيف.
أتمنى ألا يصبح الحب عملة نادرة في زمن المصالح، وألا تتحول الطيبة إلى تهمة، وألا يخجل الإنسان من مشاعره الصادقة في عالم يتقن إخفاء مشاعره خلف الأقنعة.
يا عيد الحب.. لا أريدك يومًا للورود وحدها، بل يومًا نتذكر فيه أن الإنسان خُلق ليعمر الأرض لا ليحرقها، وليمنح الحياة لا ليسلبها.
وإذا كان لي أن أختصر أمنياتي في دعاء، فسأقول:
اللهم ازرع الحب في قلوبنا، والنور في أرواحنا، والرحمة في تعاملاتنا، والسلام في أوطاننا. اللهم احفظ الأطفال، واجبر قلوب الأمهات، وارحم كل من فقد عزيزًا، وأطعم جائعًا، وآمن خائفًا، وأوقف نزيف الحروب والدماء. ولا تجعل في قلوبنا كرهًا لأحد، ولا تجعلنا سببًا في وجع إنسان.
وفي النهاية.. أحبك نعم أحبك
ربما لم يعد عيد الحب كما كان، وربما أصبح العالم أكثر قسوة مما تحتمله قلوبنا، لكنني ما زلت أؤمن أن الحب لم يمت، وأن الخير لم ينتهِ، وأن في هذه الدنيا قلوبًا لا تزال تنبض بالرحمة، وأيادي لا تزال تمتد بالعطاء، وأرواحًا تضيء عتمة الأيام دون أن تنتظر مقابلًا.
فالحب ليس أن تقول لشخص: أحبك، فقط بل أن يشعر بالأمان في وجودك، وأن يجد الرحمة في قلبك، والصدق في كلماتك، والوفاء في مواقفك.
أحبوا الله، وأحسنوا إلى أمهاتكم وآبائكم، واحتضنوا أبناءكم، واحفظوا أصدقاءكم، وصونوا قلوبكم، ولا تنسوا أنفسكم.
فالحياة أقصر من أن نعيشها بالكراهية، وأجمل من أن نهدرها في الخصام، وأثمن من أن نؤجل فيها الحب إلى الغد.
كل عيد حب والإنسانية بخير… وكل قلب ما زال يعرف الحب بخير.
حقوق النشر والملكية الفكرية محفوظة ©
هذا المقال عمل أدبي وفكري أصلي، من تأليف وكتابة الإعلامي والكاتب الصحفي مصطفى عتمان.
جميع حقوق النشر والملكية الفكرية محفوظة للمؤلف،
ولجريدة وموقع اليوم التاسع – Alyoum9






