المقالات

ثورة 23 يوليو.. عندما أعادت مصر رسم ملامح الدولة وصناعة القرار

✍️ بقلم: مصطفى عتمان

لم تكن ثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952 مجرد تحرك عسكري أنهى حقبة سياسية، بل كانت نقطة تحول تاريخية أعادت تشكيل الدولة المصرية، ورسخت مفاهيم الاستقلال الوطني، والعدالة الاجتماعية، وبناء الدولة الحديثة. وبعد أكثر من سبعة عقود، لا تزال الثورة واحدة من أهم المحطات في التاريخ المصري، بما لها وما عليها، إذ يصعب فهم حاضر الدولة المصرية دون التوقف أمام آثارها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

جاءت الثورة في مرحلة كانت مصر تواجه فيها الاحتلال البريطاني، وأوضاعًا اقتصادية واجتماعية صعبة، وتفاوتًا في توزيع الثروة، فضلًا عن تداعيات حرب فلسطين عام 1948. ومن هذا الواقع انطلقت حركة الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر، وبقيادة اللواء محمد نجيب في بدايتها، لتطوي صفحة الملكية وتؤسس لعهد الجمهورية.

وحققت الثورة إنجازات شكلت ملامح الدولة الحديثة، كان أبرزها الإصلاح الزراعي، وتوسيع فرص التعليم، والتوسع في التصنيع، وتعزيز العدالة الاجتماعية، ثم جاء تأميم قناة السويس عام 1956 ليؤكد استقلال القرار الوطني، ويمنح مصر مكانة إقليمية ودولية راسخة. كما لعبت دورًا بارزًا في دعم حركات التحرر الوطني، وأسهمت في تأسيس حركة عدم الانحياز، لتصبح القاهرة إحدى العواصم المؤثرة في صناعة القرار الدولي.

وفي المقابل، فإن القراءة المنصفة للتاريخ تقتضي الاعتراف بأن التجربة واجهت تحديات سياسية واقتصادية، وظلت بعض ملفاتها محل نقاش بين المؤرخين والباحثين، وهو ما يؤكد أن تقييم ثورة يوليو يجب أن يستند إلى رؤية موضوعية تضع إنجازاتها وتحدياتها في سياقها التاريخي.

واليوم، تمضي مصر في استكمال مسيرة البناء من خلال الجمهورية الجديدة، التي ترتكز على تحديث مؤسسات الدولة، وإقامة المشروعات القومية الكبرى، وتطوير البنية التحتية، والاستثمار في الإنسان، وتعزيز قدرات الدولة الشاملة، في رؤية تستهدف بناء مستقبل أكثر قوة واستقرارًا.

ورغم مرور أكثر من سبعين عامًا على الثورة، فإن التحديات لم تتوقف، بل ازدادت تعقيدًا في ظل ما يشهده العالم من حروب وصراعات وأزمات اقتصادية ومتغيرات سياسية متسارعة. وما يحدث في العديد من الدول من انهيار للمؤسسات وسقوط الضحايا وتشريد الملايين، يؤكد أن الحفاظ على الدولة الوطنية هو الإنجاز الأكبر، وأن الأمن والاستقرار يمثلان الركيزة الأساسية لأي نهضة حقيقية.

ومن هنا، يبقى الدرس الأهم الذي تقدمه ثورة يوليو أن قوة الدول لا تُقاس بما تمتلكه من إمكانات فحسب، بل بوحدة شعبها، وقوة مؤسساتها، وحكمة قيادتها، وقدرتها على حماية أمنها القومي وتحقيق التنمية المستدامة.

وفي هذه المناسبة الوطنية الخالدة، نتوجه بكل التقدير والعرفان إلى رجال القوات المسلحة المصرية، خير أجناد الأرض، الذين كانوا وسيظلون الدرع الحصين للوطن، يقدمون التضحيات دفاعًا عن أرض مصر وسيادتها وأمنها القومي. كما نُحيّي رجال الشرطة المصرية، وكل مؤسسات الدولة الوطنية، التي تواصل أداء رسالتها بإخلاص للحفاظ على أمن الوطن واستقراره.

كما نُثمن جهود القيادة السياسية المصرية الحكيمة، التي تواصل استكمال مسيرة البناء والتنمية، وترسيخ دعائم الجمهورية الجديدة، وتعزيز مكانة مصر إقليميًا ودوليًا، من خلال رؤية وطنية تستهدف بناء دولة قوية وحديثة، قادرة على مواجهة التحديات وصون مقدرات الوطن وتحقيق تطلعات شعبه.

حفظ الله مصر قيادةً وشعبًا، وجيشًا، وشرطةً، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى