دينا جمال: الانحراف الأخلاقي لا يظهر فجأة.. وإصلاح المجتمع يبدأ بالأسرة والوعي والقدوة

كتب: مصطفى كامل
أكدت الدكتورة دينا جمال أحمد، استشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري والزوجي ومدرب معتمد، أن ما يشهده المجتمع من انتشار بعض السلوكيات والانحرافات الأخلاقية لا يمكن التعامل معه باعتباره ظاهرة منفصلة عن السياق النفسي والأسري والاجتماعي الذي يعيش فيه الفرد، مشددة على أن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ بالوقاية والتربية الواعية، وليس بالعقاب وحده.
وقالت دينا جمال إن «الانحراف الأخلاقي لا يظهر فجأة، ولا يمكن تفسيره دائمًا بأنه ضعف في التربية أو خلل في شخصية الفرد فقط، فهو غالبًا نتيجة تداخل مجموعة من العوامل النفسية والأسرية والاجتماعية والثقافية».
وأوضحت أن سلوك الإنسان يتأثر بدرجة كبيرة بالبيئة التي نشأ فيها، وطريقة تعلمه للتعامل مع الغضب والإحباط، وطبيعة العلاقات داخل الأسرة، بالإضافة إلى نماذج السلوك التي يراها يوميًا من الوالدين والأقارب والمحيطين به.
وأضافت أن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، إلى جانب بعض المعايير المجتمعية التي قد تؤدي إلى تطبيع سلوكيات كانت مرفوضة في السابق، يمكن أن تزيد من عوامل الخطورة، مؤكدة في الوقت نفسه أن هذه الظروف لا تبرر السلوك المؤذي أو المنحرف، ولا تعني أن كل من يتعرض لها سيسلك الطريق نفسه.
6 عوامل وراء السلوكيات الأخلاقية المنحرفة
وأشارت دينا جمال إلى عدد من العوامل التي قد تسهم في ظهور وانتشار بعض السلوكيات السلبية، أبرزها:
أولًا: ضعف التربية القيمية داخل الأسرة
عندما يتعلم الطفل أن الكذب أو العنف أو إهانة الآخرين أمور طبيعية، فقد تتحول هذه السلوكيات مع مرور الوقت إلى أنماط سلوكية يعتاد عليها ويمارسها في تعاملاته.
ثانيًا: غياب القدوة
فالطفل والمراهق لا يتعلم الأخلاق من التوجيهات والكلمات فقط، وإنما يتعلم بدرجة كبيرة من خلال السلوك الذي يراه أمامه يوميًا، وتظل الأسرة بالنسبة له النموذج الأول الذي يتشكل من خلاله فهمه للعلاقات والتعامل مع الآخرين.
ثالثًا: العنف والإهانة داخل الأسرة
استخدام العنف والإهانة كوسيلة للتربية لا يعني بالضرورة بناء شخصية قوية، بل قد يرتبط بصعوبات في تنظيم الانفعالات والتعامل مع الغضب وحل النزاعات، وقد يزيد من السلوك العدواني لدى الطفل داخل الأسرة وخارجها.
رابعًا: التطبيع مع السلوكيات الخاطئة
عندما يصبح التنمر أو العنف أو الإهانة أو استغلال الآخرين سلوكًا متكررًا ومقبولًا اجتماعيًا، قد تقل حساسية الفرد تجاه خطورته وآثاره النفسية والجسدية، وهو ما قد يفتح الباب أمام صور أكثر خطورة من السلوك الإجرامي أو إيذاء النفس والآخرين.
خامسًا: ضعف التواصل داخل الأسرة
الأسرة التي لا توفر مساحة آمنة للحوار والاستماع قد تدفع أبناءها إلى البحث عن الانتماء والتوجيه خارجها، وربما يجد الطفل أو المراهق شخصًا يستمع إليه ويمنحه الاهتمام، حتى لو كان هذا الشخص أو المحيط غير مناسب أو يحمل تأثيرات سلبية.
سادسًا: الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والنفسية
الفقر والحرمان والعنف والتهميش والضغوط المستمرة قد تمثل عوامل خطورة إضافية، لكنها لا تبرر السلوك المنحرف ولا تعني حتميته.
دينا جمال: ما زال هناك أمل.. والتصحيح يبدأ من الوقاية
وأكدت دينا جمال أن مواجهة هذه الظواهر لا ينبغي أن تتوقف عند البحث عن المخطئ أو الاكتفاء بالعقاب بعد وقوع المشكلة، قائلة:
«لسه في أمل نصحح كل ده.. والتصحيح الحقيقي يبدأ من الوقاية، وليس العقاب وحده».
وأوضحت أن الوقاية تتطلب بناء أسرة تقوم على الحوار والاحترام، وتربية تعتمد على الانضباط دون إهانة أو عنف، مع تعليم الأطفال منذ الصغر مهارات التعبير عن الغضب، وحل المشكلات، والتعاطف مع الآخرين، وتحمل المسؤولية.
وشددت على أهمية دور المؤسسات التعليمية والمجتمعية في توفير برامج لتنمية المهارات الاجتماعية والانفعالية لدى الأطفال، ومواجهة التنمر والعنف، وتوفير بيئة آمنة وداعمة، مؤكدة أن التدخل المبكر يمثل عنصرًا أساسيًا في الوقاية قبل تفاقم المشكلات.
واختتمت دينا جمال حديثها بالتأكيد على أن السؤال الأهم ليس فقط: «من المخطئ؟»، وإنما: «كيف وصلنا إلى هذا السلوك، وكيف نمنع تكراره؟».
وقالت إن إصلاح الأخلاق يبدأ بإصلاح الإنسان والبيئة التي يتعلم ويعيش ويتفاعل داخلها، مع ضرورة وجود حدود واضحة للمسؤولية والمحاسبة عندما يحدث ضرر للآخرين.
واختتمت قائلة:
«الأخلاق لا تُبنى بالخوف وحده، وإنما بالوعي، والقدوة، والحوار، والحدود، والرحمة، والمسؤولية».
د. دينا جمال أحمد
استشاري صحة نفسية وإرشاد أسري وزوجي
ومدرب معتمد



