المقالات

 التربية.. الهاتف في يد الطفل والأسرة أمام تحدٍ جديد

من يربي أبناءنا؟.. تحقيق صحفي بقلم: مصطفى عبدالرحمن (مصطفى عتمان)
لم يعد الهاتف المحمول مجرد وسيلة للاتصال أو الترفيه، بل تحول إلى جزء أساسي من حياة الأطفال والمراهقين، وأصبح حاضرًا في تفاصيل يومهم من الصباح حتى ساعات النوم.
المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، وإنما في طريقة استخدامها، وما يمكن أن يتعرض له الطفل من محتوى وتأثيرات قد تتجاوز قدرة الأسرة على المتابعة والسيطرة.
فأمام شاشة صغيرة يستطيع الطفل أن ينتقل خلال دقائق بين التعليم والترفيه والألعاب ومواقع التواصل، وقد يصل أيضًا إلى محتوى غير مناسب لعمره، أو يتعرض للتنمر الإلكتروني أو محاولات الاستدراج أو التقليد الأعمى لبعض المؤثرين.
حين تصبح الشاشة أقرب من الأسرة
المشهد داخل كثير من البيوت أصبح متكررًا: طفل يأكل والهاتف أمامه، يذاكر والهاتف بجواره، وقبل النوم تكون الشاشة آخر ما يراه.
ومع زيادة ساعات الاستخدام، قد تظهر تغيرات في السلوك، مثل العزلة، سرعة الغضب، ضعف التواصل مع الأسرة، واضطراب النوم، خاصة عندما يتحول الاستخدام من وسيلة للترفيه إلى تعلق دائم بالعالم الافتراضي.
لكن تحميل الهاتف وحده المسؤولية ليس حلًا.
الأسرة.. خط الدفاع الأول
مسؤولية الأسرة تبدأ قبل شراء الهاتف، من خلال تحديد سن مناسب، ووضع قواعد واضحة للاستخدام، ومعرفة التطبيقات التي يستخدمها الطفل، والاستفادة من أدوات الرقابة الأبوية.
والأهم من كل ذلك هو الحوار.
فالطفل الذي يخاف من والديه قد يخفي المشكلة، أما الطفل الذي يثق بهما فسوف يلجأ إليهما عندما يتعرض لموقف خطير أو محتوى يثير خوفه أو ارتباكه.
الدولة أمام ملف جديد
القضية لم تعد بعيدة عن اهتمام الدولة المصرية؛ فقد أطلق الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات حملات للتوعية بالاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا ومواقع التواصل، مع التأكيد على دور أولياء الأمور في حماية أبنائهم. وفي يوليو 2026 شهد قطاع الاتصالات إطلاق خدمتي «اطمن» و«اطمن على الآخر» لتوفير بيئة أكثر أمانًا للأطفال على الهاتف المحمول، من خلال حجب المحتوى الضار وغير الملائم، وتتيح الخدمة الثانية مستوى حماية أعلى يتضمن تقييد الوصول إلى مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي.
كما يؤكد الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في إرشاداته أن حماية الطفل لا تقوم على الحجب وحده، وإنما على الحوار والوعي والمتابعة وتحديد ساعات الاستخدام وملاحظة أي تغيرات سلوكية.
وهنا تظهر مسؤولية الدولة والأسرة والمدرسة وشركات التكنولوجيا معًا، لأن حماية الطفل في العالم الرقمي لم تعد مسؤولية طرف واحد.
ماذا فعلت دول أخرى؟
بعض الدول اتجهت إلى إجراءات أكثر صرامة.
ففي أستراليا دخلت منذ 10 ديسمبر 2025 قواعد تمنع منصات اجتماعية محددة من السماح لمن هم دون 16 عامًا بإنشاء أو الاحتفاظ بحسابات، مع تحميل المنصات نفسها مسؤولية اتخاذ خطوات معقولة لمنع الحسابات المخالفة، وليس الطفل أو أسرته.
وترافق ذلك مع أدوات للتوعية وإرشاد الأسر والأطفال، وليس مجرد المنع، في محاولة لتحقيق توازن بين حماية الطفل وإبقائه قادرًا على التعلم والتواصل والاستفادة من التكنولوجيا.
وتكشف التجربة الأسترالية نقطة مهمة: الحماية لا تعني إغلاق الإنترنت، وإنما ضبط المساحات الأكثر خطورة وتحميل المنصات جزءًا من المسؤولية.
هل الحل في المنع؟
المنع الكامل ليس حلًا واقعيًا في عالم أصبح فيه الإنترنت جزءًا من التعليم والعمل والحياة اليومية.
والأقرب إلى الحل هو التربية الرقمية؛ أن يتعلم الطفل كيف يستخدم التكنولوجيا، وكيف يميز المحتوى الضار، وكيف يحمي بياناته، ومتى يطلب مساعدة والديه.
وفي مصر يمكن البناء على الخطوات القائمة، مع تطويرها إلى منظومة أكثر شمولًا: ضوابط عمرية أكثر وضوحًا لبعض المنصات والخصائص عالية الخطورة، أدوات فعالة للتحقق من العمر، رقابة أبوية سهلة، وتوسيع تعليم الأمان الرقمي داخل المدارس.
كما يجب ألا تتحمل الأسرة وحدها المسؤولية؛ فشركات التكنولوجيا مطالبة بتصميم منصات أكثر أمانًا للأطفال، والاستجابة السريعة للبلاغات، والحد من المحتوى الضار والخصائص التي تدفع إلى الاستخدام المفرط.
ماذا نريد لأبنائنا؟
لا نريد جيلًا يخاف من التكنولوجيا، ولا جيلًا يستسلم لها.
نريد طفلًا يعرف كيف يستخدم الهاتف دون أن يصبح الهاتف هو الذي يستخدمه.
نريد مدرسة تعلم أبناءنا كيف يحمون أنفسهم في العالم الرقمي، وأسرة تعرف كيف تراقب دون تجسس، ودولة تضع القواعد وتحاسب من يتجاوزها، ومنصات تتحمل مسؤوليتها تجاه الأطفال.
فالقضية في النهاية ليست هاتفًا في يد طفل، وإنما عقل ووعي وشخصية تتشكل كل يوم أمام شاشة.
ولهذا يجب ألا يكون سؤالنا فقط:
كم ساعة يقضي أبناؤنا أمام الشاشات؟
بل السؤال الأهم:
ماذا يشاهدون؟ ومن يؤثر فيهم؟ ومن يربيهم خلال تلك الساعات؟
فالأسرة التي تترك التربية للشاشة قد تكتشف بعد سنوات أن هناك من سبقها إلى تشكيل وعي أبنائها.
الهاتف ليس عدوًا.. والتكنولوجيا ليست المشكلة، لكن ترك أبناءنا وحدهم أمام عالم رقمي مفتوح هو الخطر الحقيقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى