الحرمان العاطفي.. جرح لا يُرى وآثاره قد تمتد من الطفولة إلى العلاقات الزوجية

كتب: مصطفى كامل
قد لا تكون كل الجروح ظاهرة للعين، فبعضها يتشكل في صمت داخل النفس، ويكبر مع الإنسان دون أن يدرك أحيانًا مصدره. ويأتي الحرمان العاطفي في مقدمة هذه الجروح النفسية غير المرئية، حين لا يحصل الطفل بصورة كافية ومتكررة على احتياجاته الوجدانية الأساسية من احتواء واهتمام وتعاطف وتشجيع وشعور بالأمان والانتماء.
وتوضح الدكتورة دينا جمال أحمد، استشاري الدعم النفسي والإرشاد الأسري والزوجي والصحة النفسية والتربوية، ومدرب معتمد، أن الحرمان العاطفي لا يرتبط بالضرورة بغياب الحب داخل الأسرة، وإنما قد يكون نتيجة لعدم قدرة الوالدين على التعبير عن هذا الحب بالطريقة التي يحتاج إليها الطفل نفسيًا.
حين يكون الحب موجودًا.. لكن الطفل لا يشعر به
قد يوفر الأب لأبنائه احتياجاتهم المادية كافة، وقد تبذل الأم أقصى ما لديها من جهد وتضحيات، ومع ذلك يشعر الطفل بأنه غير مسموع أو غير مفهوم أو غير مهم.
وتشير د. دينا جمال إلى أن الحرمان العاطفي قد يظهر في صور متعددة، من بينها غياب التعبير المناسب عن الحب والاهتمام، وتجاهل مشاعر الأبناء أو التقليل من مخاوفهم وأحزانهم، وربط القبول الأسري بالتفوق أو الطاعة، واستخدام التجاهل والانسحاب العاطفي كوسيلة للعقاب.
كما قد يظهر من خلال غياب الحوار الآمن، عندما يخشى الطفل التعبير عن مشاعره خوفًا من السخرية أو اللوم، أو نتيجة انشغال الوالدين المستمر عن احتياجاته النفسية، حتى وإن كانت احتياجاته المادية متوافرة.
وتؤكد أن هناك فارقًا مهمًا بين الحرمان العاطفي واختلاف طرق التعبير عن الحب؛ فليس كل والد قليل التعبير اللفظي عن مشاعره والدًا مهملًا عاطفيًا، وإنما يتحدد الأمر من خلال نمط العلاقة ومدى الاستجابة لاحتياجات الطفل واستمرار المشكلة وتأثيرها في نموه النفسي.
كيف يؤثر الحرمان العاطفي في الطفل؟
بحسب د. دينا جمال، يمكن أن ينعكس نقص الاحتواء والاستجابة العاطفية على جوانب متعددة من حياة الطفل، من بينها تقدير الذات وتنظيم المشاعر والشعور بالأمان والسلوك والتحصيل الدراسي والعلاقات الاجتماعية.
فالطفل الذي يتكرر تجاهل مشاعره أو التقليل منها قد يبدأ في تكوين صورة سلبية عن ذاته، ويعتقد بصورة تدريجية أنه غير جدير بالحب أو الاهتمام، وهو ما قد يظهر لاحقًا في صورة حساسية شديدة تجاه النقد، أو جلد للذات، أو سعي مستمر للحصول على رضا الآخرين.
كما أن الطفل يتعلم تنظيم مشاعره من خلال تفاعل الأشخاص المهمين في حياته معه. وعندما يُقابل حزنه بالسخرية، أو خوفه بالتوبيخ، أو غضبه بالعقاب دون محاولة فهم أسبابه، فقد يجد صعوبة في التعبير عن مشاعره بطريقة متوازنة، وقد يلجأ إلى الصمت والانسحاب أو الانفعال الشديد أو السلوك العدواني أو يجد صعوبة في طلب المساعدة.
وقد يمتد التأثير إلى المدرسة والعلاقات الاجتماعية، فيظهر في صورة صعوبة في التركيز، أو ضعف المشاركة، أو تراجع التحصيل، أو صعوبة في تكوين الصداقات.
لكن الدكتورة دينا تؤكد أن ظهور هذه السلوكيات لا يعني تلقائيًا وجود حرمان عاطفي، إذ يجب النظر إليها في سياق نمو الطفل وظروفه الأسرية والاجتماعية والنفسية.
من الطفولة إلى الرشد.. كيف تنتقل آثار الحرمان العاطفي؟
لا تنتهي بالضرورة آثار الخبرات العاطفية المبكرة بانتهاء مرحلة الطفولة، فقد يحمل الإنسان معه إلى مرحلة الرشد أنماطًا من التفكير والتوقعات تشكلت خلال علاقاته الأولى.
وقد يظهر ذلك في صورة بحث مستمر عن الاهتمام والتقدير، أو خوف مبالغ فيه من الرفض والهجر، أو التعلق الشديد بالآخرين، وفي أحيان أخرى قد يتخذ صورة معاكسة تمامًا، وهي تجنب التقارب العاطفي والاعتماد المفرط على النفس وإخفاء الاحتياجات.
وفي العلاقات الزوجية، قد يجد أحد الطرفين صعوبة في التعبير المباشر عن احتياجاته، وينتظر من شريكه أن يفهم ما يشعر به دون أن يتحدث عنه، ثم يلجأ إلى الصمت أو الانسحاب عند الشعور بالرفض.
وهنا، كما توضح د. دينا جمال، لا ينبغي أن يقتصر السؤال على: «من المخطئ؟»، وإنما يجب أن يمتد إلى: «ما الاحتياج العاطفي الذي لم يتم التعبير عنه؟ وما النمط التفاعلي الذي يدفع الطرفين إلى الابتعاد عن بعضهما؟»
هل يتكرر الحرمان العاطفي من جيل إلى آخر؟
من أخطر جوانب المشكلة أن بعض الآباء قد يعيدون إنتاج الأساليب التي تعرضوا لها في طفولتهم، حتى وإن كانوا قد عانوا منها.
فقد يعتقد أحد الوالدين أن تجاهل مشاعر الطفل يجعله أكثر قوة، أو أن التعبير المستمر عن الحب قد يفسده، أو أن الاستجابة لبكائه نوع من التدليل.
لكن الماضي، وفق رؤية الدكتورة دينا، ليس قدرًا محتومًا.
فالوعي بالأنماط التربوية المكتسبة، وتعلم مهارات التربية الإيجابية، والاستعانة بالدعم النفسي والإرشاد الأسري عند الحاجة، كلها عوامل يمكن أن تساعد الأسرة على كسر دائرة التكرار وبناء علاقات أكثر أمانًا.
لماذا لا يشعر الأبناء أحيانًا بالحب رغم وجوده؟
تؤكد د. دينا جمال أن المشكلة في بعض الأسر لا تكون في غياب الحب، وإنما في طريقة التعبير عنه.
فقد يعبّر الأب عن حبه من خلال توفير المال وتحمل المسؤولية، بينما تحتاج ابنته أو ابنه أيضًا إلى كلمة تقدير، أو حضن، أو جلسة إنصات، أو وقت مشترك.
وقد تعبّر الأم عن حبها من خلال التضحية والعمل المستمر، لكنها قد لا تنتبه إلى أن طفلها يحتاج قبل كل شيء إلى أن يشعر بأنه مسموع ومفهوم وآمن.
كما قد تؤثر الضغوط الاقتصادية والخلافات الزوجية والإرهاق النفسي والتجارب الصعبة التي مر بها الوالدان في قدرتهما على الاستجابة العاطفية بصورة منتظمة.
وهنا يجب التفريق بين فهم أسباب المشكلة وتبرير آثارها؛ فمعاناة الوالدين تستحق التفهم والدعم، لكنها لا تلغي الاحتياجات النفسية للأبناء.
كيف يمكن مواجهة الحرمان العاطفي؟
ترى الدكتورة دينا جمال أن التعامل مع الحرمان العاطفي لا يبدأ بإلقاء اللوم على الأسرة، وإنما بمحاولة فهم نمط العلاقة والعمل على تغييره.
وتنصح الوالدين بتخصيص وقت منتظم للاستماع إلى الأبناء دون انشغال بالهاتف أو إصدار الأحكام، والتعبير الواضح عن الحب والتقدير، وعدم ربط القبول بالإنجاز، واحترام مشاعر الطفل حتى عند الاختلاف معه.
كما تؤكد أهمية تجنب المقارنة والإهانة والسخرية من الخوف أو البكاء، وإصلاح العلاقة بعد الخلاف من خلال الاعتذار عند الخطأ وإعادة الشعور بالأمان.
أما في العلاقة الزوجية، فتشدد على أهمية التعبير المباشر عن الاحتياجات، واستبدال الاتهامات بوصف المشاعر، وتخصيص وقت للحوار، وتعلم مهارات الاستماع وحل الخلافات بعيدًا عن التهديد أو الإهانة أو الصمت العقابي.
وفي بعض الحالات، قد يكون الإرشاد الأسري أو العلاج النفسي المتخصص خطوة مهمة لفهم المعتقدات السلبية عن الذات، وتحسين تنظيم المشاعر، وتطوير مهارات التواصل، وبناء علاقات أكثر أمانًا.
رسالة إلى كل أب وأم
لا يحتاج الطفل إلى والدين مثاليين، ولا يستطيع الوالدان منعه من كل ألم أو إحباط، لكن ما يحتاجه هو أن يشعر بأن أسرته مساحة آمنة يستطيع فيها التعبير عن مشاعره وطلب المساعدة والاعتراف بأخطائه دون أن يشعر أن قيمته الإنسانية مهددة.
فالطفل الذي يسمع: «أنا أختلف مع تصرفك، لكنني أريد أن أفهم ما الذي تشعر به»، يتعلم أن الاختلاف لا يعني فقدان الحب.
والطفل الذي يجد من يستمع إليه عندما يحزن، لا يتعلم فقط كيف يتجاوز حزنه، وإنما يتعلم أيضًا كيف يفهم نفسه ويتواصل مع الآخرين.
وتؤكد د. دينا جمال أن الأب أو الأم اللذين لم يحصلا على الاحتواء الكافي في طفولتهما يستطيعان تعلم طرق جديدة للتواصل والتربية، فالتغيير ممكن، حتى وإن احتاج إلى وقت وتدريب ومساندة متخصصة.
الحرمان العاطفي.. جرح يمكن علاجه وكسر دائرته ممكن
في النهاية، قد لا يكون الحرمان العاطفي جرحًا ظاهرًا، لكنه قد يترك أثرًا عميقًا في نظرة الإنسان إلى نفسه، وفي الطريقة التي يطلب بها الحب، ويتعامل بها مع الرفض، ويبني بها علاقاته.
ومع ذلك، لا يعني التعرض لنقص الاحتواء أن الإنسان محكوم عليه بالمعاناة النفسية أو العلاقات غير المستقرة طوال حياته، فالعلاقات الداعمة والخبرات الإيجابية والعمل النفسي المتخصص يمكن أن تفتح أبوابًا واسعة للتعافي والنمو.
ومن منظور الصحة النفسية والإرشاد الأسري، فإن بناء أسرة متماسكة لا يعتمد على توفير الاحتياجات المادية فقط، وإنما يحتاج أيضًا إلى الأمان والاحترام والتعاطف والحوار والاحتواء.
ويبقى السؤال الأهم الذي ينبغي أن تطرحه كل أسرة على نفسها:
ليس فقط: هل نوفر لأبنائنا ما يحتاجونه؟
بل: هل يشعر أبناؤنا فعلًا بأنهم محبوبون، ومسموعون، وآمنون داخل أسرتهم؟
د. دينا جمال أحمد
استشاري الدعم النفسي والإرشاد الأسري والزوجي
استشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري والتربوي
مدرب معتمد



